نصوص

سربروس في بابل – تحليل نص شعري من تجديد الرؤيا لبدر شاكر السياب

1- لِيَعْوِ سَرْبَروسُ في الدُّروب
2- في بابِلَ الْحَزِينَةِ الْمُهَدَّمَه
3- ويَمْلأ الْفَضاءَ زَمْزَمَهْ،
4- يُمَزِّق الصِّغارَ بِالنُّيوبِ، يَقْضِم الْعِظامْ
5- ويَشرَب القُلوبْ.
6- عَيْنَاهُ نَيْزَكَانِ في الظَّلامْ
7- وشِدْقُهُ الرَّهِيبُ مَوْجَتَانِ مِنْ مُدَى
8- تُخَبّئُ الرَّدَى.
9- أشداقه الرهيبةُ الثلاثة احتراقْ
10- يَؤُجُّ في الْعِراقْ
11- لِيَعْوِ سَرْبَروسُ في الدُّروب
12- ويَنْبُش التُرابَ عَنْ إِلَهِنَا الدَّفين
13- تَمُّوزِنا الطَّعين،
14- يَأْكُلهُ : يَمُص عَيْنَيْهِ إِلَى الْقَرارْ،
15- يَقْصِم صُلْبَهُ الْقَويَّ، يَحْطم الْجِرار
16- بَيْنَ يَدَيْهِ، يَنْثُرُ الْوُرودَ والشَّقيقْ.
17- أوّاهُ لَوْ يُفيق.
18- إلَهُنَا الْفَتِيُّ، لَوْ يُبَرْعِمُ الْحُقولْ،
19- لَوْ يَنْثُرُ الْبَيادِرَ النُّضارَ في السُّهول
20- لَوْ يَنْتَضي الْحُسامَ، لَوْ يُفَجِّرُ الرُّعودَ وَالْبُروقَ وَالْمَطَرْ
21- ويُطْلِقُ السُّيولَ مِنْ يَدَيْهِ. آهِ لَوْ يَؤوب!
22- ونَحْنُ إِذْ نَبُصُّ مِنْ مَغَاوِرِ السِّنين
23- نَرى الْعِراقَ، يَسْأَلُ الصَّغَارُ فِي قُراه:
24- « ما الْقَمْحُ ؟ ما الثَّمَرُ ؟
25- ما الماء ؟ ما الْمُهود ؟ ما الإلهُ ؟ ما الْبَشَرْ ؟
26- فَكُلُّ ما نراه
27- دَمٌ يَنِزُّ أوْ حِبالٌ، فيهِ، أو حُفَرْ.
28- أكانَتِ الْحَياه
29- أحَبَّ أَنْ تُعاشَ، والصِّغارُ آمنين ؟
30- أكانَتِ الْحُقولُ تُزْهِرُ ؟
31- أكانَتِ السَّماءُ تُمْطِرُ ؟
32- أكانَتِ النِّسَاءُ والرّجالُ مُؤْمِنِينْ
33- بِأنَّ في السَّماءِ قُوَّةً تُدَبِّرُ،
34- تُحِسُّ، تَسْمَعُ الشَّكاةَ، تُبْصِرُ،
35- تَرِقُّ تَرْحَمُ الضِّعافَ، تَغْفِرُ الذُّنوبْ ؟
36- أكانَتِ الْقُلوبْ
37- أرَقَّ، والنُّفوسُ بالصَّفاءِ تَقْطُرُ ؟
38- وأَقْبَلَتْ إِلَهَةُ الْحَصَادْ،
39- رَفِيقَةُ الزُّهورِ والْمِياهِ والطُّيوبْ،
40- عُشْتَارُ رَبَّةُ الشَّمَالِ وَالْجَنوبْ،
41- تَسيرُ في السُّهولِ والْوِهــادْ
42- تَسيرُ في الدُّروب
43- تَلْقُطُ مِنْهَا لَحْمَ تَمُوزَ إِذَا انْتَثَرْ،
44- تَلُمُّهُ فِي سَلَّةٍ كَأَنَّهُ الثَّمَر.
45- لَكِنَّ سَرْبَروسَ بابِل – الْجَحِيم
46- يَخُبُّ في الدُّروبِ خَلْفَها ويَرْكُضُ،
47- يُمَزِّقُ النِّعَالَ في أَقْدامِها، يُعَضْعِضُ
48- سيقانَها اللِّدانَ، يَنْهَشُ الْيَدَيْنِ أَوْ يُمَزِّقَ الرِّداءْ،
49- يُلَوِّثُ الْوِشاحَ بِالدَّمِ الْقَديمِ
50- ويَمْزِجُ الدَّمَ الْجَدِيدَ بِالْعُواءْ.
51- لِيَعْوِ سَرْبَروسُ في الدروبْ
52- لِيَنْهَشِ الإِلَهَةَ الْحَزِينَةَ، الإِلَهَةَ الْمُرَوَّعَة؛
53- فَإِنَّ مِنْ دِمَائِهَا سَتُخْصِبُ الْحُبوبْ،
54- سَيَنْبُتُ الإِلَهُ، فَالشَّرائِحُ الْمُوَزَّعَة
55- تَجَمَّعَتْ. تَمَلْمَلَتْ. سَيُولَدُ الضِّيَاءْ
56- مِنْ رَحِمٍ يَنِزُّ بِالدِّماءْ
بدر شاكر السياب : أنشودة المطر.
دار العودة، بيروت، 1971، المجلد الأول ص: 482 وما بعدها (بتصرف)

في إطار التطور الذي عرفه الشعر العربي الحديث، ظهر ما يسمى بشعر الرؤيا. حيث لم يكتفِ شعراء هذه الموجة بما تحقق من تجديد على مستوى بنية القصيدة وهندستها، بل انتقلوا إلى مستويات أخرى. وأعادوا تشكيل عناصر الإيقاع والصورة الشعرية تشكيلا يمكّن القارئ والمتلقي من الإسهام في تأويل القصيدة. وعبّروا بلغة غير مألوفة عن عالم غير مألوف، يختلط فيه الحلم بالخيال الخصب الخلاق. وانفتحوا على أعماق الذات الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية، بتوظيف مُكثّف للرّموز والأساطير. ولم يعد الشاعر عندهم يكتفي بالتعبير عن الأحاسيس، أو الرأي، أو الموقف، أو تصوير الأشياء الظاهرة. بل انتقل إلى الانسلاخ عن العالم المحسوس، والاهتمام بجوهره وما وراء الظواهر الطبيعية.

ولم تعد عندهم اللغة ذات وظائف محددة، بل صارت بشارة تكشف الحقائق وتخدم الرؤيا وتخلق العالم، وصار الشعر موقفا من هذا كله. ولعل من أهم الشعراء الرُّوّاد الذين انخرطوا في هذه التجربة الفنية الجديدة، نذكر بدر شاكر السياب. حيث نفترض من خلال الشكل الهندسي للقصيدة وكذا عنوانها المكوّن من لفظتين، والذي يحمل دلالات رمزية وأسطورية وحضارية أنّ موضوع القصيدة سيدور حول الصراع بين هذين الرمزين وإحالاتهما. فما موضوع القصيدة ؟ وما مظاهر تجديد الرؤيا فيها ؟ وما خصائصها الفنية التي تجعل منها نموذجا من نماذج هذا الاتجاه ؟


بعد قراءة متمعّنة للنص، اِتّضح أنّ مضمون القصيدة يتمحور حول رؤيا الشاعر للعالم، الذي تتوزعه ثنائية الحزن والظلام، والخصب والضياء. ويمكن تبعا لذلك تقسيم وحداتها الدلالية على النحو الآتي:

  • مظاهر الدمار التي ألحقها سربروس ببابل.
  • ما استدعاه ذلك الدمار في ذاكرة الشاعر.
  • وصف الشاعر لحالة البؤس الذي أصاب العراق.
  • مواجهة عشتار لسربروس.
  • انبثاق الأمل والضياء من رحم المعاناة.

ويذكرنا هذا بدراسة أحمد المجاطي للشعر الحديث، في رؤيته اعتبار الحياة تنبثق من رحم المعاناة، فما ألحقه سربروس من دمار وخراب في العراق المرموز له ببابل باعتبار البلد مهدا للحضارة الإنسانية. ورغم الدفاع الذي أبداه الإله عشتار وهو من آلهة بلاد ما بين النهرين، وهو بدوره يرمز هنا للمقاومة، وكذلك تموز، فإن الحياة ستنبثق من هذا الخراب، ومن رحم معاناة المقاومة التي لابد وأنها ستنتصر.

ويهيمن على معجم القصيدة حقلان دلاليان، هما: حقل الحياة الذي يمثله البعث والخصب، وحقل الموت الذي يمثله الخراب والدمار، ويؤدي إليه. ويمكن توضيح ذلك والتمثيل له معجميا، من خلال الألفاظ والعبارات الآتية:

  • حقل الحياة (البعث والخصب) : تموز- الحياة – تزهر – السماء تمطر – القلوب – أرق – الصفاء – آلهة الحصاد – عشتار- تخصب – الضياء – الرحم…
  • حقل الموت (الخراب والدمار) : مهدمة – يمزق – يقضم – احتراق – دم – حفر – الجحيم…

إن العلاقة بين هذين الحقلين المعجميين هي علاقة تضاد وصراع، تضاد بين وضعيتين وواقعين. يمثل كل منهما مجموعة من الرموز، يمثل أحدهما الشر والخراب والدمار، والآخر الخير والضياء والخصب والنماء. وهذا الأخير هو الوضع المأمول أو الذي يتمناه الشاعر لبلده، أما الوضع الأول فهو وضع مرفوض، وواقع يدعو الشاعر إلى الثورة عنه ومقاومته.

أما على مستوى الخصائص الفنية، فإن أهم ما يمكن ملاحظته على مستوى الصورة الشعرية؛ استعمال صور مركبة على عكس الصور الشعرية في القصيدة التقليدية رغم انتماء مظاهر هذه الصورة إلى ما هو معروف في الشعر العربي بعامة، وبخاصة استعمال أسلوب الاستعارة، كما هو الأمر في السطر الخامس “يشرب القلوب” في إشارة إلى شدة القسوة والبطش، والسطر الرابع عشر “يطلق السيول من يديه” للإشارة إلى سخاء تموز وكرمه وفضله على بلده العراق.
ومن أهم ما تجدر الإشارة إليه كثرة استعمال الرموز الدينية والحضارية والأسطورية، فمن هذه الأخيرة (الرموز الأسطورية) يمكن الإشارة إلى الكلب “سربروس” الذي يمثل الشر كما سبقت الإشارة، وفي الجانب المقابل نجد “عشتار وزوجها تموز” فهما ينتميان إلى الرموز الأسطورية والدينية في الوقت نفسه، وترمزان إلى الخير والخصب والمقاومة. ولم يكن توظيف هذه البنية الأسطورية بدون قصد بل إن وظيفتها هنا، وهي تحمل دلالاتها الأصلية، هي إكسابها معنى جديدا يتمثل في الانتصار للحياة رغم كل مظاهر الشر والدمار الذي يظهر في الواقع، كما أن لها أيضا وظيفة جمالية تظهر في تكثيف معاني كل من الحياة والموت.

وبالنسبة للبنية الإيقاعية، فإن الشاعر كسر البنية التقليدية للقصيدة العربية التي كانت تعتمد نظام الشطرين، باستعمال نظام الأسطر الشعرية المتباينة في الطول، في ما يخص الإيقاع الخارجي، كما اعتمد الوقفتين الدلالية والعروضية بحسب الدفقات الشعورية والأحاسيس التي أراد الشاعر تبليغها للمتلقي، أما التفعيلة التي اعتمدها فهي تفعيلة “مفاعيلن” بتنويعاتها المختلفة، ونوع في الروي؛ فاستعمل حرف الباء، والميم، والقاف، والراء…، وكذلك اعتمد الجملة الشعرية.
أما الإيقاع الداخلي، فإن من أبرز مظاهره ؛ التكرار و التوازي؛ ويتبين ذلك من خلال تكرار مجموعة من الألفاظ بغاية تحميلها ما يريد الشاعر قوله من دلالات وتبليغها، ومنها تكرار: سربروس، وبابل، والدم، والعراق… ووظيفتها تتجاوز الدلالة إلى الإيقاع والموسيقى. أما التوازي، فمن أمثلته : السطران الثالث والعشرون، والرابع والعشرون، بالإضافة إلى أمثلة أخرى وهو أيضا يتنوع إلى تواز تركيبي كما في المثال المشار إليه سابقا، والتوازي اللفظي، والدلالي، وتتجلى وظيفته في تكثيف الدلالة بالإضافة إلى الوظيفة الموسيقية والجمالية.

وعلى مستوى الأساليب الموظفة، نجد هيمنة الأسلوب الخبري في القصيدة. ووظيفته هي نقل مشاعر الشاعر وأحاسيسه إلى المتلقي، والتعبير عن موقفه من واقع بلده العراق.

أما الأسلوب الإنشائي فقد استعمل الشاعر الاستفهام بكثرة، ومن أمثلته : ما القمح ؟ ما الثمر؟ / أكانت الحقول تزهر؟ … الذي تتمثّل وظيفته التعبير عن الانفعالات والمواقف.


ومما سبق نستنتج أنّ توظيف الشاعر لمجموعة من الرموز المختلفة المصادر والأصول للتعبير عن الصراع بين الخير والشر أو البناء والهدم، لم يكن بغاية التزيين، بقدر ما كان بهدف اقتناعه بحتمية انتصار الحياة على الموت، وانبثاقها من عمق المعاناة والدمار. وقد لعبت الأسطورة هنا دورا محوريا في تشكيل رؤيا الشاعر الفنية والدلالية وموقفه من الوضع الذي كان يعيشه بلده، وهو يتطلع إلى واقع أفضل. حيث النماء والخير والخصب والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، كما فعل الأسلاف الذين بنوا بابل. وقد عبّر الشاعر عن كل ذلك ببنية إيقاعية مختلفة عما عَهِدنا في القصيدة العربية الكلاسية، فكسر بنيتها التقليدية، واعتمد نظام السطر بدل البيت، بالإضافة إلى مجموعة من المظاهر الأخرى الدلالية والمعجمية والأسلوبية.

ويمكن القول بأن القصيدة تنتمي إلى مرحلة تطور الشعر العربي الحديث، أو ما يطلق عليه بشعر الرؤيا. ولعل السؤال الذي يمكن طرحه في هذا المجال، وهو ما سبق وأشارت إليه نازك الملائكة في مقدمة ديوانها “شظايا ورماد”: أ حقّاً تخلص الشعر العربي الحديث من البنية الإيقاعية التقليدية، وبخاصة وهو يعتمد التفعيلة المعروفة في العروض الخليلي ؟ أم أنّ الأمر لا يتجاوز كونه تجديد في الموضوعات وطريقة توزيع هذه التفاعيل أو التفعيلات واجتهاد على غرار اجتهاد الخليل ؟

One thought on “سربروس في بابل – تحليل نص شعري من تجديد الرؤيا لبدر شاكر السياب

  • غير معروف

    كيفاش نديرو تأطير النص ؟
    الله إجازيك بيخير

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!