تحليل مقطع حول رمزية الحيوان في رواية اللص والكلاب PDF – النموذج التطبيقي ②
لقد شكلت رمزية الحيوان قيمة مهيمنة في رواية “اللص والكلاب”. واستطاعت أن تصور لنا الصراع بين القيم الحقيرة التي اكتسبها أعداء سعيد مهران. والقيم النبيلة، التي حافظ هو ومن سانده عليها.
◄جاء في رواية “اللص والكلاب” على لسان سعيد مـهران، فَوْرَ خروجه من السجن:
“جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة، ويطير في الهواء كالصقر، ويتسلق الجدران كالفأر (…) أنسيت یا علیش كيف كنت تتمسح في ساقي كالكلب ؟ (…) الويل للخونة. في هذه العطفة ذاتها زحف الحصار كالثعبان ليطوق الغافل…”.
“اللص والكلاب”: دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، ص: 7 – 8 (بتصرف)
اِنطلق من هذه القولة، واكتب موضوعا متكاملا، تـنجز فيه ما يـلي:
- إبراز مدى توظيف نجيب محفوظ لرمزية الحيوان في الرواية، ودلالات هذا التوظيف.
- تحديد طبيعة العلاقة التي ربطت بين سعيد مهران وباقي الشخصيات في الرواية.
مقدمة
يبدو من خلال عنوان رواية “اللص والكلاب” أنها تجمع بين عالمين معارضين: عالم الإنسان (اللص)، وعالم الحيوان (الكلاب). وتتأكد دلالة هذا الجمع من خلال ما تزخر به الرواية من توظيف لرمزية الحيوان. حيث نجد نجيب محفوظ يستحضر أسماء حيوانات كثيرة ليرمز بها إلى معاني متعددة، ويجعل منها وسيلة لانتقاد الواقع وقيمه. إن توظيف نجيب محفوظ لرمزية الحيوان، يؤكد أن رواية “اللص والكلاب” شكلت منعطفا هاما في مسيرته الإبداعية. حين تحول من كتابة الرواية الكلاسيكية، إلى تجريب ما يعرف بالرواية الرمزية.
فما هي دلالات رمزية الحيوان في الرواية ؟ وما وظيفتها داخل المتن الحكائي ؟ وإلى أي حد استطاعت أن تصور لنا طبيعة الصراع بين شخصيات الرواية ؟
عرض
بروجعنا إلى المقطع الروائي أعلاه نجد البطل “سعيد مهران”، استعمل أسماء الحيوانات في سياق تشبیهات للدلالة على معاني متعددة. يمكن أن نحددها، من خلال أسماء حيوانات أخرى بالإضافة إلى تلك المذكورة في المقطع، من خلال ما يلي :
- الرمز إلى القوة : وذلك من خلال استحضار حيوانات من قبيل : الصقر، والثعبان، والنمر، والفيل… ومن خلال المقطع أعلاه، نكتشف أن سعید مهران شبه نفسه بالسمكة، والصقر… ليصور لنا قوته على مواجهة أعدائه.
- الرمز إلى معاني الدناءة والحقارة : وقد وظف نجيب محفوظ للدلالة على هذه المعاني حيوانا أساسيا هو “الكلب”. الذي تردد مرات كثيرة تارة بصيغة المفرد، وتارة بصيغة الجمع. فسعید مهران البطل، يستعمل لفظ “کلب” أو “كلاب” ليعبر عن دناءة وخسة أعدائه من قبيل : رؤوف علوان وعليش… يقول مثلا عن عليش: «كان يقف بين يدي كالكلب» (ص: 25). ويقول متحدثا عن أعدائه: «ولأول مرة سيطارد اللص الكلاب» (ص: 138). كما تحضر للتعبير عن نفس الدلالات حيوانات أخرى كالأفعى والعقرب، والثعلب.
- الرمز إلى معاني الضعف والوداعة : وهنا تحضر حيوانات من قبيل : الفراشة، والفأرة. التي جاءت في الرواية في سياق الحديث عن نور: «كانت ثمة فراشة تعانق المصباح» (ص: 87). وجاء في سياق الحديث عن سناء: «كالفأرة !مم تخاف ؟» (ص: 14).
إن كل هذه المعاني تتضافر لتصور لنا الواقع الذي واجهه سعید مهران، بعد خروجه من السجن. حيث سيجد عالما من الكلاب الأعداء، الذين تخلوا عن كل القيم الإنسانية، وتشبعوا بمختلف الصفات السلبية للحيوان. من قبيل: الخداع، والتملق، والوشاية، والعبودية… وقد كانت صفة الكلب/الكلاب معبرة عن كل هذه المعاني. التي اجتمعت في أعدائه الذين تنكروا له بعد خروجه من السجن: نبوية، وعليش، ورؤوف علوان… وفي المقابل اكتست الشخصيات المتعاطفة مع سعید صفات الضعف والوداعة، وذلك مثل نور التي شبهت بالفراشة. ومثل هذا التوظيف يصور لنا وجود عالم قوي، في مواجهة عالم ضعيف. وقد حاول سعید مهران لوحده أن يواجه قوى الشر (الكلاب)، لكنه فشل. لأن الكلاب قد اكتسبت من مساندة المجتمع مالم تكتسبه الشخصيات الضعيفة التي ساندت سعيد في محنته. من قبيل: نور، والجنيدي، وطرزان.
خاتمة
لقد شكلت رمزية الحيوان قيمة مهيمنة في رواية “اللص والكلاب”. واستطاعت أن تصور لنا الصراع بين القيم الحقيرة التي اكتسبها أعداء سعيد مهران. والقيم النبيلة، التي حافظ هو ومن سانده عليها. والغرض من كل هذا هو تصوير الواقع المصري في مرحلة الستينيات، وما تفاعل فيه من قيم وصراعات. وهذا يجعلنا نعتبر رواية “اللص والكلاب” من الروايات الناجحة التي راهن عليها نجيب محفوظ. لتعرية الواقع المصري والعربي، وتطوير تجربته الروائية في آن واحد.