منهجية تحليل قولة حول أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها PDF – النموذج التطبيقي ⑤
لقد تحكمت عدة أسباب في اتسام الشعر العربي الحديث بسمة الغربة والاغتراب.
ورد في كـتاب “ظاهرة الشعر الحديث” لأحـمد الـمعداوي-الـمجاطي ما يأتـي:
“إنّ ما يعنيه مصطلح الغربة عندنا، هو غربة الشاعر العربي في الواقع الحضاري بوصفه كلا، لكن ذلك لا يمنعنا من أن ننظر إلى ذلك الواقع من زواياه الجانبية، أن نقف عند ألوان من الغربة هي جزء من الواقع الكلي”.
“ظاهرة الشعر الحديث”: شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2007، ص: 68 (بتصرف).
اُدرس هذا القول، مُـركّـزا على:
- تأطير المؤلف.
- تحديد أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها.
- تحديد المنهج المعتمد في هذا الصدد.
- تركيب النتائج المتوصل إليها وتقويم المؤلف.
1) مقدمة حول أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها
“ظاهرة الشعر الحديث” هي في الحقيقة دراسة نقدية جادة ورصينة. تتبع مسار التطور الذي عرفه الشعر العربي في العصر الحديث. بدءا من مرحلة الإحياء والذات، إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد وارتياد آفاق الحداثة. هذا مع رصد العوامل والتجارب التي غذت التجديد في هذا الشعر. إنْ على مستوى الـمضمون، من خلال تجربة الذات وتجربة الغربة والضياع وتجربة الحياة والـموت. أو على مستوى الشكل الفني، من خلال اللغة وآليات التعبير بالصورة الشعرية والأسس الـموسيقية. علما بأنّ ما يهمنا، في التساؤل الـمطروح، هو الاقتراب أكثر من تجربة الغربة والاغتراب. وملامسة الخلفية الـمنهجية التي يصدر الناقد عنها في معالجة هذا الـموضوع. وبهذا الخصوص نتساءل:
ما أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها ؟ وما الـمنهج الـمعتمد في هذا الصدد ؟
2) عرض أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها
لقد تحكمت عدة أسباب في اتسام الشعر العربي الحديث بسمة الغربة والاغتراب ومن أبرزها نذكر:
- نكبة فلسطين (1948م): والتي عرت الواقع العربي، وكشفت عن هشاشته وضعفه. وبذلك اعتبرت سببا أساسيا لحالة غربة الشاعر الحديث.
- اتساع دائرة معارف شعراء الاتجاه الحديث. وانفتاحهم على الثقافات والأداب الإنسانية: وفي هذا الصدد نذكر الفلسفة الوجودية أساسا. وذلك من خلال إطلاعه على أعمال جان بول سارتر، وألبير كامو. وتأثرهم الـمباشر بالشاعر إليوت من خلال قصيدته الـمشهورة “الأرض الخراب”. وهذه أسباب أخرى كامنة وراء تجربة الغربة والضياع، لكنها دون حجم التأثير الذي مارسته “النكبة”.
أما أبرز مظاهر الغربة، أو بالأحرى، الاغتراب فيمكن رصدها كما يلي:
- الاغتراب الحضاري بوصفه كلا: ومعناه اغتراب الشاعر الحديث داخل سياقه الحضاري. أي ضمن ما يحيط به من قريب (واقع الهزيـمة). وما يؤثر فيه من بعيد أيضا (وضع الإنسان في عالـم تحكم فيه الاستعمار والحروب..).
- ألوان جزئية من الاغتراب: وهي التي يتحدث عنها الكاتب في الفصل الثاني من كتابه. وذلك من قبيل: الاغتراب في الكون. حيث أحس الشاعر الحديث بالوحدة في كون لا يحكمة العقل ولا الـمنطق بقدر ما يخضع للعبث والتيه. والاغتراب في الـمدينة. لأن واقع الـمدن، وما يطبعه من جشع مادي وجفاء وفردانية وفقان للأصالة، لـم يتجاوب مع تطلعات الشاعر الحديث واستشرافاته. وكذا الاغتراب في الحب. بحيث عبر الشاعر عن فشله في التجاوب مع الـمرأة وإن اقترن بها جسديا. والاغتراب في الكلمة التي أصبحت سيفا ذا حدين: حد التعبير، وحد الـمعاناة.
وبالانتقال إلى الـمنهج الذي استند إليه الكاتب. نجد أنه تم الاعتماد على الـمنهج التاريخي لتفسير تجربة الغربة من خلال الأسباب الكامنة وراءها. وعلى الـمنهجين الفلسفي والنفسي. باعتبار أن مفهوم “الغربة” لا يخلو من بعد فلسفي يجعل الإنسان يتخذ موقفا من الوجود والآخر واللغة. كما لا يخلو من حمولة نفسية تجعله ينوء بثقل معاناتها.
3) خاتمة تحليل أسباب غربة الشاعر الحديث ومظاهرها
هكذا إذن، نستطيع أن نخلص إلى أن مؤلف “ظاهرة الشعر الحديث” لـم يكتفِ بوصف هذه الظاهرة الشعرية. بل إنه تعدى ذلك إلى تفسيرها، فبحث عن الأسباب وربطها بالنتائج. وتتبع السياقات التاريخية والثقافية التي أفرزت ظاهرة شكلت تحولا نوعيا في مسيرة الشعر العربي.
غدا عندي فرض، دعيو معايا